إالتوكل علي الله

مدرسة تربوية للإرادة

للأستاذ / محمد مصطفي البسيوني

نحن هنا أمام لفظين كثيراً ما تلوكهما الألسن بمناسبة وغير مناسبة وكثيرًا ما يتشدق بهما أصحاب التظاهر بالدقة والتباهي بالجدل وكثير ما هم في هذه الأيام التي يحلو فيها لكل ” من هب ودب ” أن يصول في غير مصال ، ويجول في غير مجال . ورحم الله شيخنا ” السيد ” حسن القاياتي عندما وصف أحد هؤلاء قائلاً : ” ظنه الناس علي شيء فظن ” فماذا تراه كان قائلاً في معالجة هذا السياق لو أنه كان بين ظهرانينا اليوم ؟ وهذا اللفظان اللذان قصدتهما في مطلع هذا الحديث هما : ” التوكل ” و ” والإرادة ” وعلي نهج مشايخنا الذين علمونا ” المنطق ” في شرخ الشباب نحاول – قدر المستطاع وتوضيح معاني هاتين الكلمتين ,

-        أما التوكل فهو الأخذ بكافة الأسباب الممكنة التي تعين علي ما يتصور من إنجاح العمل أو الفكرة دون إغفال ما صغر منها وما كبر”

-    وأما الإرادة وهي من مشتقات ” أراد يريد ” فهي تعني القصد أو النية كما تعني الرغبة الملحة في الأداء وهي عند المفكرين المسلمين تعني : ” النية ” بينما يسميها فقهاء القانون الوضعي ” سبق الإصرار ” .

والمعني العكسي للتوكل هو ” التواكل ” وهو قطعًا غير التوكل بل هو تشويه لمعناه ، وهدم لمبناه . والتوكل بهذا المعني هو اتخاذ وكيل قادر ذي شأن علي القيام بما لا يستطيعه الأصيل في أمر من الأمور ، ومن هنا فقد درج الناس دائما في مجال التقاضي مثلاً علي البحث عن الوكيل النابه الذي عرف باقتداره الفذ في مجال المرافعة والدفاع . ” ولما كانت حاجات المرء متشابكة ومنها ما يدركه وما لا يدركه ، كما أن منها ما يقدر عليه ، ومنها ما يعجز عنه ، ومنها ما هو ماثل للعيان ومنها ما يغيب في الزمان والمكان ، بل إن منها ما يتعلق بالدنيا العاجلة ومنها ما يتعلق بالآخرة الآجلة . لما كان ذلك كذلك فإن البحث عن وكيل يتولي عنا هذه الأمور هو أمر يتسم بالعجز والقصور بل هو العجز ذاته والقصور عينه ، ومن هنا شاءت رحمة الحق سبحانه وحكمته أن يكفي خلقه مؤونة البحث عن هذا المستحيل فتكفل عز وجل بهذه الوكالة حتى يصرف عباده همهم إلي خلافة الأرض ويوجهوا اهتمامهم إلي استكناه الكون . ولكن الإنسان الذي كان أكثر شيء جدلا يصر علي أن يبحث بنفسه ولنفسه دائما عن وكيل من البشر , ومع ذلك فان رحمن الدنيا والآخرة الصبور جل وعلا لا يفتأ يذكر الناس بالقرآن تارة والتجربة العملية تارة أخري بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه وأنه هو وحده الوكيل المطلق ليس للبشر فقط بل للعالمين جميعا من إنس وجن وحيوان ونبات وغيرهم يدبر أمرهم وينظم شئونهم , ويصوب أخطاءهم ويمحق أخطارهم ويقيل عثر اتهم ويغفر زلاتهم وينبه الإنسان الغافل ” أو المتغافل ” في بداهة واضحة وبساطة ساطعة أن إذا كنت مخلصا في البحث لك عن وكيل فكن كيسا فطنا( ö@ž2uqs?ur ’n?tã Çc‘yÛø9$# “Ï%©!$# Ÿw ßNqßJtƒ   (uوتأمل كلمة ” الذي لا يموت ” لتري فيها عجبا إذ ماذا ينفعك إذا توكلت علي حي لا يلبث أن يموت ولو بعد حين بعد أن تكون قد ارتبطت به برباط صوره لك وهمك أنه وثيق ؟ . ولله كم يصدق هذا علي كثير من ما يحدث في الحياة اليومية , فصديقك الذي ارتضيته دون غيره موضع توكلك في الشدائد قد مات وبقيت الشدائد , ورئيسك في العمل الذي كم تزلفت إليه فنافقته وحرضته علي زملائك أملا في أن يقربك إليه ويرضي عنك إذا به يموت ويتركك نهبا لنهش زملائك في سيرتك بالسر والعلن واللمز والفتن , وهكذا من الأمثلة التي لا تعد ولا تحصي في العلاقات المعقدة بين الناس التي يصدق عليها قول العزيز الحكيم 7ãÓy´øƒrBur) }¨$¨Z9$# ª!$#ur ‘,ymr& br& çm9t±øƒrB () أما الحي الذي لا يموت سبحانه فقد أعطاك كل شيء ولا ينتظر أي شيء إلا أن تكون عبدا شكورا تؤمن عمليا بقوله تعالي ) ö@yd âä!#t“y_ Ç`»|¡ômM}$# žwÎ) ß`»|¡ômM}$# ) لا ينتظر منك مالا لأنه هو الغني المطلق بل هو مالك ما تملكه ولا يرجو  منك نفاقا لأنه هو الكمال المطلق بل إنه لا ينتظر منك الشكر علي عطائه لك ومع ذلك فأنت إذا شكر ته سجل لك هذا في ميزان حسناتك باعتباره عرفانا بالجميل وهذا العرفان سمة من سمات الخلق الكريم الذي يريدك الحق عز وجل أن تكون متحليا به .

خلافة الأرض تحتاج إلي جهد

وهكذا عندما يدعوك ربك سبحانه إلي أن تتوكل عليه وحده لأنه هو الحي الذي لا يموت فإنما يدعوك إلي عبادة سامية تتجه إليها كافة العبادات إن لم تكن هي أم العبادات , فأنت عندما تنطق مخلصا بالشهادتين , وعندما تصلي وتزكي , وتصوم رمضان وتحج البيت فإنما تتجه إلي حي لا يموت ترجو رحمته وتخشي عذابه , فما أحمق أن تتوكل علي حي يموت , وأنت مثله في كل شيء كلا كما يجوع ويأكل ويعطش ويشرب وينام ويصحو ويمرض ويصح , ويجد ويلهو فكيف تلقي إليه زمامك ؟! وليس التوكل كلمات لسان , أو عبارات بيان , وإنما هو مزاج من الدعاء والتضرع والعبادة يتقرب بها العبد إلي ربه بعد أن يكون قد استنفد طاقته في الأخذ بالأسباب المؤدية إلي الهدف المنشود , والأمل المعقود , وعند حدود العبد القاصرة تتدخل تجليات المعبود القادرة . وتأمل لو أن العبد لم يبذل جهدا ولم يأخذ بالأسباب ثم تحققت أحلامه  هينة لينة هل كان يصلح لخلافة الأرض ومواجهة الحياة ؟ إن من معالم أساليب  التربية – ولله المثل الاعلي أن يدرب الأستاذ تلميذه علي أن يقوم بنفسه بحل المسألة , حتى إذا بذل كل ما يستطيع دون جدوى تدخل الأستاذ لتمهيد الطريق وإضاءة المصباح وذلك بعد أن تتجلي جدية الطالب , ورغبته الأكيدة في التعلم . وإن لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الأسوة الحسنة , ففي “غزوة الخندق ” ألم يكن ربك بقادر علي أن ينصر صفيه الحبيب وجنوده دون أن تضيق صدورهم بعد أن رأوا حشود الأحزاب المشركة وقد جاءت بالمزيد من العدة والعدد والعتاد ؟! إن النصر الإلهي لم يتحقق إلا بعد أن حفر محمد صلي الله عليه وسلم ومن حوله المسلمون الخندق شمالي المدينة استجابة لمشورة  الجندي المؤمن الواعي المستنير سلمان الفارسي رضي الله عنة وإلا بعد أن عقد المسلمون الاتفاقيات مع يهود المدينة وغير ذلك من الاحتياطات والأخذ بالأسباب . ولكن ما كاد يهود بني قريظة يخونون العهود وما كاد المشركون يقبلون محاولين حصار المسلمين حتى وقف محمد صلى الله عليه وسلم رافعا يديه الشريفتين نحو السماء ، ورافعا صوته الضارع بالابتهال والدعاء مطمئنا إلى أن الله لن يخذله بعد أخذ بأسباب النصر ، وقد كان .وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما وردفي بعض كتب السيرة “اللهم منزل الكتاب ،سريع الحساب ،اهزم الأحزاب ،اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم “فاستجاب له ربه في اليوم الثالث من المعركة وبعث الله عليهم الملائكة فقطعت أطناب الفساطيط وأطفأت النيران وجالت الخيل بعضه على بعض وأرسل الله عليهم الرعب وكثر تكبير الملائكة فولى الأحزاب هاربين بعد اثنين وعشرين يوما من الحرب

مسيرة الكون بين العبد وربه

وقد سجل القران الكريم ذلك بقوله تعالى( $pkš‰r’¯»tƒ tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#rãä.øŒ$# spyJ÷èÏR «!$# ö/ä3ø‹n=tæ øŒÎ) öNä3ø?uä!%y` ׊qãZã_ $uZù=y™ö‘r’sù öNÍköŽn=tã $\t†Í‘ #YŠqãZã_ur öN©9 $yd÷rts? 4 tb%Ÿ2ur ª!$# $yJÎ/ tbqè=yJ÷ès? #·ŽÅÁÒ  ) وهكذا ندرك أن مسيرة الكون , وعمران الأرض هي أمر بين العبد وربه فالعبد يعمل ويأخذ بالأسباب , ويتوكل مخلصا علي الخالق عز وجل , والخالق يتجلي بقبول هذا التوكل الخالص ويوفق العبد إلي إحسان العمل وتحقيق الغاية ولنا في فاتحة الكتاب أعظم المثل في هذا التصوير .

اتساق الهدف والوسيلة

أرأيت طالب علم هدفه النجاح في الامتحان يتوسل إلي ذلك بالسهر في دار السينما ليلة الامتحان ؟ أو رأيت زارعا يرجو تنمية محصوله فينام دون سقيا أرضه لأنه أمضي الليلة أمام التلفاز ؟ أو رأيت تاجرا يهدف إلي كسب ثقة الناس ثم يغش سلعته أيغالي في ثمنها ؟ أو رأيت معلما يتغيا قول شوقي ” كاد المعلم أن يكون رسولا ” ثم تكون وسيلته إلي هذا الغاية أن يحيل رسالته المقدسة إلي تجارة توشك أن تبور إن لم تكن قد بارت فعلا ؟ ولئن قيل فيما مضي إن الجزاء من جنس العمل فإننا نقول أن الوسيلة أيضا ينبغي أن تكون من جنس الهدف والهدف الشريف ينبغي أن تكون الوسيلة إلي تحقيقه شريفة . وهكذا نري كثيرًا من الناس يدّعون التوكل علي الله بينما الأسباب والوسائل التي ينتهجونها بعيدة كل البعد عن موضوع هذا التوكل وهنا لم يتوكلوا علي الله ” حق ” توكله فأني لهم أن يمدهم الله ” بحق ” مدده !!. إن هذا المصباح الذي يضيء الآن يستمد ضوءه من مولد عظيم فإذا أدرت مفتاح هذا المصباح فلم يظهر الضوء فاعلم أن هناك خللا ما بين المصباح ومصدر الضوء ، وقد يكون الخلل في المصباح ومصدر الضوء ، وقد يكون الخلل في المصباح ذاته أو في أداة الوصل بينه وبين مصدره الذي يستمد منه الضوء .

والكون كله يستمد نوره من الله عز وجل – ولله المثل الأعلى – مصدقًا للحقيقة الربانية التي أكدها الذكر الحكيم : (ª!$# â‘qçR ÅVºuq»yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur 4 ) وهو نور يسمو علي الكم والكيف ويعلو علي كل ما يخطر علي قلب البشر إذ يتعلق بمن : (}§øŠs9 ¾ÏmÎ=÷WÏJx. Öäï†x« ) سبحانه جل شأنه إنه هو نور الهداية ، ونور العمل ، ونور الحياة ، ونور الحقيقة ، إلي آخر ما نعي في هذا المجال علي قدر علمنا القاصر ، ووعينا المحدود . وفي هذه السياق يجدر بنا أن نسوق من التربية مثالاً يتصور طالبًا واقفًا مع أستاذه في مختبر للبحث عن بعض القوانين العلمية ، فإن هناك وسيلتين أمام المعلم ليصل بتلميذه إلي هذا القانون : إما أن يقوم هو بنفسه بالتجربة كاملة أمام تلميذه أو يعطيه الفرصة لبذل الجهد وإعمال الفكر أمام تلميذه أو يعطيه الفرصة لبذل الجهاد وإعمال الفكر حتى إذا استنفد التلميذ طاقته في ذلك تدخل المعلم لمواصلة التجربة إلي النهاية . فأي الوسيلتين أفضل للطالب من حيث تحقيق إيجابيته ، وصقل شخصيته وتدريبه علي تحمل المسئولية والمشاركة بفاعلية في مواجهة المشكلات والتصرف إزاءها بما يتفق معها دون تبرم أو ضيق صدر . وإن البارئ – وله سبحانه المثل الأعلى علي الإطلاق – لا يرضي أن يسعي إليه عبده خالي الوفاض من العمل المثمر والجهد البناء في مواجهة البناء في مواجهة المواقف يقول يارب  يارب وهو يعلم ” أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة ” .

إن المولي جل وعلا قد خلق الإنسان للسعي الدءوب والبناء المثمر حتى يكون بحق خليفة له سبحانه في الأرض ، يعي المعني الحق للعبادة دون تحويلها إلي مجرد عادة كالدمى التي يحركها ” الريموت ” ومن هنا كان ” التوكل ” علي الله هو عمل ” مريد وليس عشوائيًا أو عفويًا فالمتوكل الحق يتمتع بإرادة واعية وفاعلة ويعرف تمامًا أنه قد قام في مسيرته بما أمره الله به قدر طاعته ولا ينقصه إلا أن يتوجه إلي العناية الإلهية التي تتوج هذه المسيرة البشرية الإيجابية بتحقيق الغاية المرجوة : (’n?tãur «!$# ߉óÁs% È@‹Î6¡¡9$# ) وإذا كان لابد هنا من بيان مفهوم الإرادة كما عبر عنها المفكرون ولاسيما من أعلام المسلمين فإن الفارابي مثلاً في كتابه ” أهل المدينة الفاضلة ” قد أوضح معناها بأنها ” النزوع عن إحساس أو تخيل ” . كما فعل أحد المتقابلين علي السواء أي حرية الاختيار ” وذلك في كتابه ” تهافت التهافت ” الذي رد فيه علي الكتاب ” تهافت الفلاسفة ” للإمام الغزالي . وهكذا نري أن الصلة واضحة تمام الوضوح بين التوكل الذي هو ” الثقة بما عند الله واليأس عما في أيدي الناس ” وبين الإرادة التي ذكرنا بعض معانيها منذ قليل . فعندما يتوكل العبد المؤمن علي ربه بعد أن يستنفد الأسباب فإنما يقوم بعمل إرادي مقصود لأنه يعلم علم اليقين إلي من يتوجه وعلي من يتوكل . وهكذا نري أن التوكل بهذا المعني هو تدريب لإرادة العبد علي جدية التوجه ، واستقامة القصد والوعي تمامًا بالاتساق بين الأسباب والمسببات ، والاتفاق بين العلل والمعلولات ، ويكون بهذا قد وقف علي عتبات السنن الكونية وهو ما نسميه في العصر الحديث بالمنهج العلمي في التفكير .

رد مفحم للشيخ محمد عبده :

ولعله من المناسب في هذا السياق أن نذكر موقف المفكر المعاصر الأستاذ الإمام محمد عبده ، عندما حاجه بعض دعاة الكسل والخمول ، و” التواكل ” حيث استخلص الإمام الفرق بين التوكل والتواكل من مسيرة حياته الشخصية العملية منذ نشأته الأولي شأنه في هذا شأن ” علي مبارك ” وفلسفته التربوية التي سجلها في “لائحة رجب ” والتي تعبر بحق عن أحداث طفولته وصباه وسيرته الذاتية . والتوكل عند محمد عبده ليس جبرية واستكانة وإنما هو ثقة بالله في السعي والعمل ، وعندما حاجه قومه حول قول النبي صلي الله عليه وسلم ” لو أنكم تتوكلون علي الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا ” جائعة ” وتروح بطانًا مشيعة وادعي هؤلاء أن الحديث ليس فيه دعوة للعمل والسعي إذ كيف يسعي الطير ويعمل ؟ فرد عليهم الإمام ردًا مفحماً فسألهم : هل قال النبي صلي الله عليه وسلم ” لرزقكم كما يرزق الطير تلبث في أعشاشها وتفتح أفواهها فيسقط فيها الغذاء ” أم عبر عن حركة الطير فقال ” تغدو وتروح ” أي تبذل الجهد في الذهاب والإياب بحثًا عن الغذاء ؟ رحم الله الأستاذ الإمام الذي قصد بالتوكل وعدم التواكل استنهاض همم المسلمين خوفًا من ركونهم إلي الخمول وترك العمل تحت ستار الدين فيلبسون الدين غير ثيابه ويظهرونه بغير إهابه . ولكم نحتاج اليوم إلي تعميق هذه المعاني التربوية الإيجابية في أعماقنا وسلوكنا ولاسيما في ظل ظروف معاصرة اختلطت فيها الأمور ، وتكثف فيها الضباب حتى كادت الهمم أن تفتر ، مما أدي إلي انتشار ثقافة الميل إلي بطء السعي وتقاعس الاجتهاد وسرعة الكسب بأية وسيلة ومن أي باب !! .

حقيقة لا أعلم من هو الأستاذ محمد مصطفي البسيوني ولكني اتمنة ان اعرف حتي أذهب إليه وأشكره على أداؤه في هذه المقاله بارك الله فيه